غير القبلة المحمود ، استقلالا عن اليهود

ABDELKADER ZINI الجمعة 17 نوفمبر
img

        قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ، وكان أكثر أهلها اليهود ، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة عشر شهرا ، وكان يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء ، فأنزل الله : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) إلى قوله : ( فولوا وجوهكم شطره ) فارتاب من ذلك اليهود ، وقالوا : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب [ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ] ) وقال : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) [ البقرة : 115 ] وقال الله تعالى : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه )

                  فقد جاء الاسلام ليحرر الإنسان من عبودية أخيه الإنسان ، من الرق عموما و تشجيع اعمال العقل و الفكر، إلى عبادة الله الواحد الأحد ، الفرد الصمد . فكلمة عباد نقيض لكلمة عبيد ، فنحن عباد الله و ليس عبيدا مخصيون فكريا و جنسيا . و يؤكد ذلك قوله تعالى في سورة القيامة آية 14، 15: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)، وهاتان الآيتان أعطتا للإنسان -كشخص مسؤول عن تصرفاته- قيمة واقعية كبرى، فقد جعلته رقيبا على نفسه يتحمل تبعات عمله وحده، ولا ينفعه إقناع غيره بحسن سلوكه متى كان ذلك مخالفا للواقع ولو استطاع ستر نفسه بضباب المعاذير.( قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ( 38 ) ) 

         وأبرز شيء في هذا الموضوع هو إكثار القرآن الكريم من استعمال الكلمات الدالة على الاستقلال الفكري ، و استغلال القدرات و المؤهلات الفردية من أجل اتقان العمل و العبادة : مثل العقل ، واللب، والتفكير، والتدبير، والعلم، والفقه، والنظر، والاعتبار، والتذكر، ومدح الذين يفكرون ويتدبرون ويعقلون . من سورة الحجرات ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ) .
      و قد حرر الله المرأة و كرمها ، بل و جعل الجنة تحت أقدامها . و احتفظ لها بشخصيتها إزاء زوجها ، وأعطاها الحرية التامة في التصرف المباشر في شؤونها المالية من دون أن توجب عليها الرجوع إليه وأخذ رأيه، وذلك تركيز لاستقلالها الشخصي و المالي و الاجتماعي ، وإعطائها مكانتها بصفتها كائنا بشريا له نفس الوضعية والقيمة التي للرجل .
كل ذلك وغيره يدل على أن الإسلام يريد من الإنسان أن يكون مستقلا في تفكيره لا تذوب شخصيته في غيره ولا يضمحل وجوده مهما كانت الظروف التي تحيط به والقوى التي يتفاعل معها.
      كان لهذه الميزة أثرها الملموس العاجل في عقلية المسلمين فلم يجد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه غضاضة في أن يخاطب الحجر الأسود بقوله : والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أنني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك - طاعة لله - ما قبلتك . 
       ولم تجد المرأة مانعا ، من أن تقف في وسط المسجد ، وتعلن معارضة عمر في تحديده للمهر. ورأى عمر ذلك أمرا عاديا فقال : أصابت امرأة وأخطأ عمر.  ووجدت جميع ضروب التفكير المهد الوثير والملجأ الأمين في الوسط الإسلامي، وترعرعت الفلسفة على اختلاف ضروبها و الفكر المستقل  في المجتمعات الإسلامية ، وكل ذلك في إطار الإسلام بل وبمباركته وإشرافه .
ونبغ في العالم الإسلامي فلاسفة كبار، ومفكرون عظام، جالوا في جميع ميادين التفكير من غير أن يروا في معتقدهم الديني ما يحجر عليهم تفكيرهم ويضيق نطاق عقولهم، ومن دون أن يروا في مذهبهم الفلسفي ما يخرجهم عن نطاق الإسلام وتعاليمه.
وهكذا خرج الإسلام بالإنسانية من طور الخمول والظلام والركود إلى طور كله حركة وبناء ونور وإشراق، وحاز المسلمون شرف الاحتفاظ بالحضارة القديمة ونقلها بأمانة إلى الأجيال التي بعدهم، بل لم يكن دورهم مقتصرا على النقل، فقد استطاعوا أن يكتشفوا مجاهل في نطاق المعرفة كانت هي الأساس الذي مهد لهذه الحضارة طريق الظهور والكمال .

   و في الذكرى الواحد و الستين من استقلال المغرب ، نريد الاستقلال عن الهيمنة الامريكوالصهيونية ، لنحقق الاستقلال الخبزي و الفكري و نسترجع السيادة على جميع التراب ، بجهد المغاربة و المسلمين المناضلين المناصرين للحق . فلا يقبل ان نضع يدنا في يد العدو الصهيوني ضد دول اسلامية مثل سوريا و اليمن و لبنان و ايران ، مهما عظمت الأخطاء و الأسباب  

اقرأ أيضا