السجود فقط لله ، و لم يسجد الشيطان لآدم إلا تكبرا و جهلا

ABDELKADER ZINI الخميس 16 نوفمبر
img

       حكاية عدم سجود الشيطان لآدم ، حكمة و درس و موعظة ، قصها الله علينا في القرآن الكريم . ليبين لنا من خلالها أنه فوق كل ذي علم عليم إلا الله . و أن طاعة الله الخالق مقدسة و واجبة لا تحتمل التفكير و التمحيص و الميزان . أما طاعة الوالدين البيولوجيين أو المرضعين أو المربيين فهي طاعة واجبة ، بامر من الخالق و طاعة له ، مشروطة بعدم معصية الله ، و لو كانا فاسقين . مثلها مثل السجود للكعبة : فالسجود هنا لله و ليس للكعبة كبنيان - بدليل أن قبلة المسلمين الأولى كانت القدس مثل اليهود قبلا . فقد سجد الملائكة طاعة و عبادة لمن أصدر الأمر و امتثالا و تنفيذا لأمر و قربة لله عز و جل ،  و في نفس الوقت كان السجود تحية و اكراما و اجلالا و تعظيما و احتراما و بيعة  لآدم كخليفة الله على الارض ، و كمخلوق إلاهي و لشخصه الفريد . فقد خلقه الله في أحسن تقويم ، مفكرا و معلما له قدرات و امكانات و خصائص متنوعة منها ماهو محدود . و خلق الملائكة  بامكانات عالية خارقة لا منتهية متخصصة من أجل خدمة آدم و بنيه من البشرية و الانسانية  و الكون عموما ، ليموت الجميع حتى يوم القيامة فيبعثون ، بعضهم في الجنة و البعض الآخر في النار .

        و قد سبق لله عز و جل أن حدث الملائكة عن البشرية و خلق آدم و عن مهمته كخليفة لله في الأرض ، و عن دور الملائكة و الروح باذن الله و بأمر منه في تسهيل مهمة الرسل و الأنبياء و البشر و تنظيم الكون ...  أعلم الخالق الملائكة بأنه سيخلق بشرا من طين ، علمه كل العلوم باللغات الكونية منها لغة الطير والملائكة بما فيهم الجن ، ثم أمرهم بالسجود له حين يتم خلقه :

يقول الله تعالى : ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) ص/71-72

ثانيا : وقد أخبر سبحانه وتعالى في سورة البقرة عن حواره مع الملائكة قبل خلق آدم .

قال تعالى : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ، قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) البقرة/30

        لقد كانت محطة هامة في حياة الملائكة ، لحظة تعارف مع مخلوق جديد و عجيب، خلقه الله من طين في أحسن تقويم ، كرمه  بالعلم و المعرفة على العالمين . من الطبيعي أن يكون منهم غيورين ، و لكن ليس لهم مكان في الجنة إذا أصبحوا لله من العاصين . فأمر الله الملائكة بالسجود لآدم ، فسجدوا جميعا ، إلا إبليس الذي تحجج بأنه مخلوق أرقى . حينها طلب الله من آدم أن يعرفهم و يعلمهم ما لا يعرفه إبليس و لا هم . و حين عرفهم آدم ، اقتنع الملائكة أنه يستحق مرتبة خليفة الله في أرضه من دونهم ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ( 31 ) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ( 32 ) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ( 33 ) ) 

        شرف الله آدم على الملائكة ، بما اختصه به من علم و معرفة أسماء كل شيء دون المخلوقات كلها ، و ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم ، فقال تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها 
وقال السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) قال : عرض عليه أسماء ولده إنسانا إنسانا ، والدواب ، فقيل : هذا الحمار ، هذا الجمل ، هذا الفرس . 
وقال الضحاك عن ابن عباس : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) قال : هي هذه الأسماء التي يتعارف ص: 223 ] بها الناس : إنسان ، ودابة ، وسماء ، وأرض ، وسهل ، وبحر ، وجمل ، وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها . 
وروى ابن أبي حاتم  وابن جرير ، من حديث عاصم بن كليب ، عن سعيد بن معبد ، عن ابن عباس : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) قال : علمه اسم الصحفة والقدر ، قال : نعم حتى الفسوة والفسية . 
وقال مجاهد : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) قال : علمه اسم كل دابة ، وكل طير ، وكل شيء . 
وكذلك روي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف : أنه علمه أسماء كل شيء ، وقال الربيع في رواية عنه : أسماء الملائكة . وقال حميد الشامي : أسماء النجوم . وقال عبد الرحمن بن زيد : علمه أسماء ذريته كلهم . 
واختار ابن جرير أنه علمه أسماء الملائكة وأسماء الذرية ؛ لأنه قال : ( ثم عرضهم ) وهذا عبارة عما يعقل . وهذا الذي رجح به ليس بلازم ، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم ، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب . كما قال : ( والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ) [ النور : 45 ] . 
[ وقد قرأ عبد الله بن مسعود : ثم عرضهن وقرأ أبي بن كعب : ثم عرضها أي : السماوات ] . 

 

والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها : ذواتها وأفعالها ؛ كما قال ابن عباس حتى الفسوة والفسية . يعني أسماء الذوات والأفعال ، المكبر والمصغر ؛ ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية من كتاب التفسير من صحيحه : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا مسلم ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة ، عن أنسرضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال لي خليفة : حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال - : يجتمع المؤمنون يوم القيامة ، فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا ؟ فيأتون آدم فيقولون : أنت أبو الناس ، خلقك الله بيده ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا ، فيقول : لست هناكم ، ويذكر ذنبه فيستحيي ؛ ايتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، فيأتونه فيقول : لست هناكم . ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحيي . فيقول : ايتوا خليل الرحمن ، فيأتونه ، فيقول : لست هناكم ؛ فيقول : ايتوا موسى عبدا كلمه الله ، وأعطاه التوراة ، فيأتونه ، فيقول : لست هناكم ، ويذكر قتل النفس بغير نفس ، فيستحيي من ربه ؛ فيقول : ايتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمة الله وروحه ، فيأتونه ، فيقول : لست هناكم ، ايتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فيأتوني ، فأنطلق حتى أستأذن على ربي ، فيؤذن لي ، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله ، ثم يقال : ارفع رأسك ، وسل تعطه ، وقل ص: 224 ] يسمع ، واشفع تشفع ، فأرفع رأسي ، فأحمده بتحميد يعلمنيه ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أعود إليه ، وإذا رأيت ربي مثله ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أعود الرابعة فأقول : ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود 

                فالسجود لله وحده ، و بغير أمره شرك و كبيرة و معصية و مذلة و خزي و عار . فالعبودية لله و حده ، و الطاعة لله و للوالدين و لأولي الأمر منكم ما دام الأمر في غير معصية الله . فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .                                                           

اقرأ أيضا